مقالات

هل بإمكان حماس الفصل بين الدعوي والسياسي والعسكري؟ د. أحمد يوسف

إن الحركة الإسلامية بشكل عام، وفي فلسطين على وجه الخصوص، هي – اليوم – بحاجة ماسة إلى إجراء مراجعات فكرية وحركية في ضوء المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، وهذا ما درجت عليه الشعوب والأمم، إذ أنها بين حين وآخر تقوم بمثل هذا الإجراء.. ففي الديمقراطيات المعاصرة، يتم ذلك من خلال العمليات الانتخابية المنتظمة في كل مؤسسات الدولة، حيث تعرض الأحزاب والتيارات السياسية برامجها ورؤيتها للإصلاح والتغيير، والتي بناءً عليها تتم المباركة وتحقيق الفوز أو الرفض والانتظار لجولة انتخابية قادمة.
وبما أن العملية الانتخابية في بلادنا معطلة وغير منتظمة منذ قرابة العشر سنوات، لذا فإن علينا أن نفكر بآلية أخرى لإجراء المراجعات، وتجديد الشرعيات الوطنية، وتبين خطانا على طريق المسيرة من ناحية الصواب أو الخطأ. وحيث إن المتغيرات والوقائع التي تحدث في مفاصل تاريخية معينة من حياة الشعوب والأمم توجب عليها التوقف، وإلقاء نظرة تعيد فيها قراءة فواتير الربح والخسارة، وحساب جدوى ما تعرضه من مبادئ وما تطرحه من رؤى وأفكار، أو ما تعتمده من سياسات واجتهادات.. إن هذه المراجعات التي تجريها الشعوب والدول والحركات والأحزاب للنهوض ببلدانها وتنمية مجتمعاتها والحفاظ على استقرارها، يفرض علينا كإسلاميين أن نتعلم من تجارب كل من سبقونا من الشعوب والأمم، والتي حققت إبداعات لا تخطئها العين في هذا المجال.
الإسلاميون والعمل السياسي: الامتناع والمشاركة
في مطلع السبعينيات، كان من غير المستساغ في الكثير من بلداننا العربية طرح فكرة مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية، وقد صدرت في تلك الفترة تحذيرات وفتاوى تقطع الطريق على كل من يحاول الاجتهاد وتخطي هذا المحذور. وقبل أن يطوى هذا العقد أشرعته كانت إيران الخميني قد قامت بثورتها، وأعلنت هويتها الإسلامية.
وفي فترة الثمانينيات، أصبح هناك مساحة من النقاش لمدارسة الفكرة والرغبة في استيعابها، ومن ثمَّ تباعدت اتهامات التحريم، ودخلنا بفقه أفضل من حيث جدل الدين والسياسة، ووجدنا هناك من يكتب وينظِّر لهذا الأمر، حيث بدأت -مع تنامي قدرات الإسلاميين وشعبيتهم- تترسخ القناعة أكثر بصناديق الانتخابات؛ فبدلاً من المواجهات المسلحة مع الأنظمة الحاكمة والانقلابات، يمكن اللجوء إليها لتحقيق الإصلاح والتغيير والتجديد سلمياً ودون الحاجة لإزهاق الأرواح وإراقة الدماء.. أخذت القناعة تترسخ شيئاً فشيئاً بعملية التحول الديمقراطي، حيث التنافس على البرامج والأفكار، والاعتماد على رصيد الإسلاميين في الشارع، والذي أخذ يتنامى ويبعث على الثقة والاطمئنان، والتبشير بفرص الكسب والنجاح.. وللعلم، فقد تمكن الإسلاميون في السودان القيام بانقلاب أبيض عام 1989، وإن كانت لم تأتِ بالإنقاذ الذي وعدت به عام 1989، وتشكيل حكومة بعناوين إسلامية.
ومع تعاظم شعبية الإسلاميين وحضورهم الجماهيري في العديد من الدول العربية، وعودة الكثير من كوادرهم التي درست في الجامعات الغربية، ووصول البعض منهم للمواقع الشورية والتنفيذية، وتداخلهم في معظم مفاصل الحياة المجتمعية والمؤسسات الحكومية، تعاظمت القناعة بضرورة المشاركة في الانتخابات والتغيير عبر صناديق الاقتراع. وفعلاً؛ نجح الكثير من المرشحين الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية، وأصبحوا جزءاً من الحياة السياسية في العديد من الدول العربية، مثل الأردن والكويت ومصر والمغرب والجزائر واليمن، فيما وصل الإسلاميون في السودان إلى صدارة المشهد السياسي، ودانت لهم البلاد والعباد، وأصبحوا الحاكم الحصري للبلاد.
من ناحية أخرى، أدى فوز “حزب العدالة والتنمية” التركي في الانتخابات عام 2002، ونجاحه في إدارة الحياة السياسية وإنعاش الحالة الاقتصادية في البلاد، والنهوض بتركيا إلى مصاف الدول الكبرى بجدارة واقتدار، إلى تعلُّق الإسلاميين في معظم شعوب أمتنا بذلك النموذج.. ومع تعاظم الكسب في التجربة التركية لأكثر من عشر سنوات، انتعشت آمال الإسلاميين في الدول العربية لمحاكاة الإسلاميين في تركيا أردوغان، وشاهدنا نماذج لذلك في المغرب، حيث تمكنت حركة “التوحيد والإصلاح” هناك من تشكيل حزب سياسي باسم العدالة والتنمية، وهو منذ العام 2011 يقود الحكومة، ويترأسه الأخ عبد الإله بن كيران.. بالتأكيد، كانت استمرارية نجاح الحزب – وما زالت – مسألة مرهونة بمدى القدرة على الإنجاز، وحجم مشاركة الحركة معه في تحمل إدارة الحياة السياسية بالبلاد، والمؤشرات هي الشاهد على ذلك، حيث تتمتع البلاد بتحسن أفضل في مستويات الدخل، وباستقرار تفتقر إليه كل دول المغرب العربي.
الإسلاميون في فلسطين: العثرات والاستهداف
لم تكن حركة حماس التي قادت عمليات المواجهة مع الاحتلال في الانتفاضتين الأولى (1987) والثانية (2000) بعيدة عن متابعة سير المتغيرات التي تجري في المنطقة، الأمر الذي شجَّعها لأن تخوض غمار التجربة بعدما اطمأنت لرصيدها الكبير في الشارع الفلسطيني، والذي أظهرته نتائج تقدمها في استطلاعات الرأي أو كسبها في الانتخابات، التي جرت للبلديات واتحادات الطلاب والنقابات المهنية والتعليمية، وأيضاً دخول الإسلاميين في عالمنا العربي بقوة على خط المشاركة السياسية.
وبعد أن حصلت حركة حماس على تطمينات كافية بضمان نزاهة العملية الديمقراطية، تشجعت على خوض غمار التجربة؛ باعتبار رغبتها في تحقيق الإصلاح والتغيير، وحماية ظهر المقاومة من أية محاولات لكسر شوكتها أو التجرؤ على طعنها من الخلف.
لا شكَّ أن الحركة قدَّمت الكثير من الوعود في برنامجها الانتخابي في يناير 2006، والذي ثبت بعد سنوات من المدافعة السياسية، والاجتهادات المتعثرة في بناء شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، عدم قدرتها على الوفاء بتلك الالتزامات، وعجزها عن تحقيق الكثير مما قطعته على نفسها من وعود. وفيما نحن اليوم نواجه حصاراً إسرائيلياً قاتلاً، وأشكالاً من التواطؤ الإقليمي والتآمر الدولي، الذي يستهدف بمجموعه استنزاف رصيدنا الشعبي، نتيجة لتفشي البطالة وتقليص مستوى الخدمات، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وتهالك البنية التحتية، وتراجع القطاع الصناعي نتيجة لحظر إسرائيل الكثير من المواد الخام بذرائع أمنية واهية، وإغلاق المعابر، وخاصة معبر رفح الشريان الحيوي لقطاع غزة، وحرمان الآلاف من الطلاب والمرضى وأصحاب الإقامات في الخارج من مغادرة القطاع …الخ
اليوم، يحاول البعض تضليل الشارع وإيهامه بأن مشروع حماس قد بلغ مداه، وأن نهايته الإخفاق والفشل!! فيما البعض الآخر يعتقد بأن المشروع قد وصل إلى حائط مسدود.. ونحن هنا نختلف مع الأول، ونطرح على الثاني سؤالنا التالي: هل هناك بدائل أخرى يمكن من خلالها تخطي الحائط، والقيام بمحاولة ذكية للالتفاف عليه، بحيث تضع حركة حماس من جديد خطواتها على الطريق، ومواصلة التحرك باتجاه تحقيق أهداف شعبنا المرجوة؟ نعم ولكن!!
هناك أيضاً من يتساءل بتحسرٍ وبراءة: بعد تسع سنوات من التخبط والعثرات وضيق ذات اليد، هل حركة حماس ما تزال قادرة على تسويق مشروعها الإسلامي والنجاة برؤيتها الوطنية في التحرير والعودة؟ وهل يمكن النظر إلى تجربتها بأنها ما تزال على المحك، وأن فرصة التدارك وحماية سفينة الوطن من الغرق والهلاك ما تزال قائمة؟ وما الذي يمكن القيام به – الآن – للنهوض بمشروعنا الوطني، وعدم الإضرار برؤيتنا الإسلامية في إطار مشروع الأمة، والذي هو جوهر عمل هذه الحركة منذ نشأتها وتحولها إلى تيار شعبي له حضوره وأنصاره، وقد تميزت وقفاته ومواقفه، وظهرت له محطات وعناوين على شكل مراكز ومؤسسات دعوية كان لها كبير الأثر على حياة الفلسطينيين منذ مطلع الخمسينيات.
نحن اليوم أمام تحديات كبيرة؛ أهمها محنة المشروع الوطني، والانقسام الذي قصم ظهر البعير الذي يحمل مئونة ما يقيم أود وجودنا، وأوهن بتداعياته شوكتنا القتالية، وأضر بعروتنا الوثقى ورؤيتنا النضالية.
لا شكَّ بأن ما آلت إليه أحوالنا كإسلاميين ليس بالمشهد الذي كنا نطمح إليه، لقد كانت أحلامنا وردية، وسقف طموحاتنا في العلالي، وكنا نتطلع لخدمة شعبنا وتحقيق أمنياته في الأمن والاستقرار، والحرية والازدهار، وأجواء أفضل للتعبئة وحلم الانتصار. للأسف؛ كان حجم التآمر على تجربتنا الوليدة كبيراً، أما خبراتنا في المناورة وامتصاص الصدمات فكانت محدودة، ولذا وقع المحذور، وأدركنا بأننا بحاجة ماسة إلى المراجعات، ومعاودة النظر وإعمال الفكر والاستدراك، وهذا ما يحدث أحياناً، باعتبار أن “لكل جوادٍ كبوة”.
ومهما كانت الانتكاسة وخيبة الرجاء، فإن فرص النهوض وتجاوز عثرات ما نحن فيه تبدو متاحة، ولا تقع في دائرة المستحيل.
حماس: بين الأمس واليوم
في الحقيقة، كانت حركة حماس تتمتع برصيد شعبي واسع قبل أن تلج عالم الحكم والسياسة، حيث كانت إنجازاتها على الأرض وفي مقاومة الاحتلال محل تقدير وإعجاب من الجميع، وتحظى أنشطتها الدعوية وتحركاتها المجتمعية بكل الدعم والتأييد، وكان ارتفاع منسوبها القيمي والأخلاقي فوق الشبهات، لذا منحها الشعب في الانتخابات التشريعية ثقته الكاملة، وفازت بجدارة واقتدار فاقت كل التوقعات، ومكَّنتها من تشكيل الحكومة بمفردها، حين امتنع الآخرون من الدخول في شراكة سياسية معها.
وبعد تشكيل الحكومة، بدأ العدُّ التنازلي، حيث تكاثرت الاضطرابات والمناكفات الإعلامية، وتعددت أشكال التحريض والمواجهات الداخلية، ومكر ذوي القربى، والاجتياحات الإسرائيلية، وتمَّ فرض الحصار الظالم على قطاع غزة. كان المطلوب هو إشغال حماس عن مشروعها في الإصلاح والتغيير، وإظهارها أمام شعبنا الفلسطيني بمظهر العاجز عن القيام بواجباته!! وأن اختيارها في الانتخابات ورهانها على حماس كان خطئاً يتوجب الرجوع عنه.
لقد وضعت حركة حماس كل ما لديها من طاقات أبنائها، وسخرت إمكاناتها في الداخل والخارج، بهدف التمكين لتجربتها، والقيام بكل متطلبات الحكم، وهذا ما تسبب في تراجع مشروعها الدعوي، وفقدان سيطرتها على شبكة المساجد والدروس الدينية والتربوية التي تُدار من خلالها، وفتح المجال للآخرين للتمدد في ساحاتها، وكسر احتكارها للخطاب الإسلامي ومنافستها عليه.
كما أن التوسع في العمل العسكري التي تقوم به كتائب القسام قد شكّل هو الآخر مسار استنزاف للطاقات، التي كانت مفرَّغة بشكل كامل في مجالات العمل الدعوي والتربوي والإغاثي، ووجدت في ساحة الفعل المقاوم إغراءات أفضل مادياً ودينياً، فصار لهذا المجال الأولوية بين قيادات الحركة وكوادرها.
أما العمل السياسي، فقد تسابق إليه – في البداية – الكثيرون من أبناء حركة حماس، حيث العمل الحكومي الذي يوفر الوظيفة والوجاهة والمكانة بين الناس.. وفي ظل هذا التموج وحركة التنقلات، التي طالت الأفراد والقيادات، اختلت موازين الضبط والربط، وتداخل الدعوي بالسياسي كما العسكري!! وأصبح الشيخ الذي نريده على المنبر للوعظ والإرشاد وزيراً أو نائباً أو قائداً عسكرياً لا يشق له غبار!! أما الشاب الداعية الغيور فقد تلفت هو الآخر بلحاظه إلى لعاعات الدنيا يطلب نصيبه منها، بعدما فقد القدوة والمثال فيمن سبقه من القادة والأئمة الأعلام.
نعم؛ كان هناك خلل له علاقة بعمليات التوظيف، حيث وصل الكثيرون بدون أهلية أو استحقاق، إذ درجت ساحتنا الفلسطينية لتقديم أصحاب الولاء على الكفاءة، وهذا ما سبقتنا إليه حركة فتح، فإذا بنا كإسلاميين – للأسف – نحذو حذوها، ولكلٍّ منا نصيبه من الحجج والأعذار!!
لكل ما سبق، هذه أحوالنا، وهذا هو توصيفنا للواقع المرير، ونأمل أن يمتلك قادتنا سعة الصدر والشجاعة ليكون مثالهم الإمام المُبجَّل أحمد بن حنبل، حين قال: “لا نزال بخير ما كان في الناس من يُنكر علينا”.. فنحن وإن كنَّا بهذا الكلام إنما نحاول وضع النقاط على الحروف، فإننا نرجو أن يتجاوب الركب معنا؛ لننتشل الوطن من الغرق وتمضي سفينتنا.
اليوم ما المطلوب عمله؟
لقد سبق لي في منتصف عام 2006 طرح فكرة الحزب السياسي، للحفاظ على مقدرات الحركة ورصيدها الأخلاقي في أذهان قواعدها الشعبية، حيث إن للحزب السياسي مهمات محددة وأهدافاً واضحة، ويمكن أن يقوم بها أشخاص بمواصفات معروفة، ولديهم إمكانيات ومهارات متميزة، وليس بالضرورة أن يكونوا من أئمة المساجد وعُمَّارها النجباء. ولكن الفكرة – آنذاك – لم تلقَ قبولاً لدى قيادات الحركة، وإن تفهَّم البعض منهم ذلك.
وفي إبريل عام 2012، نشرت مقالاً بصحيفة الحياة اللندنية بعنوان “الإسلاميون في فلسطين: آن الأوان لإنشاء حزب سياسي”، وقد ورد في بعض شروحاته التالي: “إن الحزب المطلوب يجب أن يكون واجهة للعمل السياسي مفتوحة على الجميع، ويتوجب عليه السعي لحشد كل الجهود الوطنية المخلصة في جبهة واحدة، بغض النظر عن أيديولوجياتها السياسية وتوجهاتها الفكرية وأدواتها النضالية؛ لتمكين شعبنا من تحقيق طموحاته في التحرير والعودة.. كما أن الحزب المطلوب يمكنه –كذلك- العمل في إطار شراكة سياسية مع الآخرين، بما يعزز قدرات مشروعنا الوطني للنهوض بالحالة المجتمعية لشعبنا في الوطن والشتات”.
عاودت مراجعة بعض الإخوة في قيادة الحركة بعد مضي ست سنوات من اختبارات مشهد الحكم والسياسة، ولكن كان الجواب كسابقه، وهو الخشية على مستقبل الحركة والخوف من الانقسام، بالرغم أن تداعيات ما يحدث لا تبشر بخير، وأن علينا اتخاذ القرار الصعب في سبيل النجاة بالقافلة، وعدم تركها لقمة سائغة للمتآمرين، ونهباً للطامعين بلحومنا وصفحات مجدنا التليد، والمتربصين لكسر شوكة المقاومة وفرسانها الغرِّ الميامين.
اليوم، وبعد الدرس الذي تعلمناه خلال العشر سنوات الماضية، فإنني أعيد طرح الفكرة، ولكن بقناعة ووعي أكبر واستحسان وإدراك أفضل، حيث إن لدينا وأمامنا تجارب لإسلاميين قاموا بتأسيس أحزاب سياسية، وعملوا على دعمها بشكل مباشر أو من وراء حجاب في أكثر من بلد عربي وإسلامي.. والشاهد أن هذه الأحزاب إذا ما أبدعت ونجحت في مهماتها، فإن ذلك أدى إلى تعاظم كسب الحركة الأم والارتقاء بمكانتها، وإذا لم تكلل برامجها بالنجاح ولم تكسب الانتخابات، حافظت على استقرار البلاد، وعادت تكرر المحاولة من جديد.
إن تجربة “حزب العدالة والتنمية” بالمغرب هي اليوم النموذج الأبرز للاستشهاد به، إذ أنه يقدم الطبعة العربية لتجربة تركيا أردوغان، فعلينا أن ندرس الإنجاز المغربي للإسلاميين ومحاولة محاكاته.. نعم؛ نحن ندرك بأن لكل بلد خصوصيته، وتجربتنا كشعب تحت الاحتلال تختلف بالكلية عن حركة تعيش في بلد أحواله مستقرة، وأن هناك قناعة وانسجاماً للعمل مع القصر، وَفق تفاهمات أضحت هي جزءاً من أدبيات الحركة والحزب.
إن أمامنا تجارب في بلدان مختلفة بعضها إسلامية نجحت فيها مثل هذه التجارب، وبعضها كانت في مرحلة التحرر، ولكنها أعطت للسياسة دورها، ولم يقتصر جهادها فقط على البندقية، كما أنها أوكلت لكل لجبهة من يسدد فيها ويقارب؛ فلساحة الجهاد فارسها المغوار الذي لا يشق له غبار، وإلى ساحات المساجد ومنابرها العوالي دعاتها الأغيار من أهل العلم وطلابه من المصطفين الأخيار، كذلك لميادين السياسة وحلباتها رجالها المحنكون ممن خبروا هذا المجال أو درسوه، وتنطبق عليهم مقولة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): “لست خباً ولا الخبُّ يخدعني”.. لقد توسعت حركتنا كثيراً، وتضخمت فيها المسئوليات وتكاثرت الأعباء، وناء بكلكل(؟؟) قادها ثقل المهام وتعددها، وآن للبعض أن يتخفف من بعض الأحمال ليجد وقتاً يعطيه لأهله وأقاربه وجيرانه، والتركيز على الملفات التي بين يديه، وليس أن يحمل أسفاراً بين منكبيه، يقيم معها الليل ولا حلَّ لديه.
آن الأوان كي تتوزع الأعباء على طاقات أهل العلم والاختصاص، وأن يتفرغ كلٌّ لساحته ضمن ناظمة لا تسمح بتغول جبهة على أخرى، ولكنها تسمح بتوزيع عادل للطاقات والإمكانيات، في ضوء الرؤية الاستراتيجية التي رسمنا خطوطها العريضة، ونعمل جميعاً مجتهدين وفق محدداتها.
آمل أن نعطي الفرصة لمفكري الحركة وأصحاب التجربة السياسية فيها من التحرك لدراسة المقترح، وتقديم وجهات نظر حوله.. إن كل ما سبق يستوجب إقدام حماس وتحليها بالشجاعة الكافية للقيام “بانسحاب تكتيكي” من المشهد السياسي القائم، والذي يهدد استمراره وجودنا جميعاً، وكما غادرت حماس الحكومة جزئياً في أبريل 2014، فإن عليها اليوم استكمال المشهد بالخروج الكامل منها، ولكن مع اتفاق حقيقي بالذهاب للانتخابات، والحفاظ على شرعية الموظفين وأرزاقهم، وإيجاد آليات تعطي لكل ذي حقٍ حقه.
لن تعدم حركة حماس الوسيلة الإعلامية أو الأشخاص الذين يخِرجون ذلك المشهد بطريقة احترافية، بعد حصولها على المصادقات اللازمة للقيام بتلك الخطوة من المرجعيات التنظيمية والشورية.
إن ساحة العمل واسعة، واللاعبون المحترفون فيها كثيرون، وإن تجربة حزب الله السياسية تحتوي في جوانب منها على ما يمكن محاكاتها فيه، وكذلك تجربة إيرلندا الشمالية؛ حيث عمل العسكر والسياسيون في ساحتين مختلفتين، وكانت معطيات الحصاد في النهاية واحدة، وهي الحرية والاستقلال.
ومن الجدير ذكره، أن الثابت الأكيد والحاسم لأي حركة، هو متانة القاعدة الشعبية واتساع مساحة الأنصار، وإن العمل لكسب الجمهور الفلسطيني واستعادته من جديد يستوجب مثل هذا “الانسحاب التكتيكي”، والعمل وفق استراتيجية جديدة تقوم على أساس واحد، وهو ترميم العلاقة مع الشارع الذي يمثل حاضنتنا الشعبية بأيِّ ثمن، وأن تقديم التضحيات في هذا الاتجاه هو واجب؛ بل هو واجب الوجوب؛ وكما تعلمنا في قواعدنا الفقهية وأدبياتنا الإسلامية، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وأختم بالقول: إن هذا المقترح يبقى – حتى الآن – مجرد قضية أو فكرة للتداول والحوار، ولا يمثل رؤية متكاملة الزوايا والأبعاد، فهذه متروكة للمراجعات والمؤسسات الحركية صاحبة الاختصاص.
وللحقيقة القول: إن هذه الفكرة ما تزال تلقى صدوداً على المستوى الرسمي داخل مؤسسات الحركة وبين قياداتها، وإن كان العديد من جيل المثقفين والقيادات الشابة لا يعارض ذلك، وإن جرت المراجعات التي ننادي بها فستتوسع – بالتأكيد – المدارك لقبول الفكرة، وإيجاد بيئة نخبوية حاضنة لها.

اظهر المزيد
إغلاق